عبد القادر السلوي

3

الكوكب الثاقب في أخبار الشعراء وغيرهم من ذوي المناقب

الدار ، أوزعه « 1 » الله شكر ما أولاه ، وكان له في جميع أموره وتولاه : إن علم الأدب الذي هو عبارة عن معرفة الأشعار والأخبار ، على ما سنذكره بعد في المقدمة إن شاء الله ، لمّا كان من أجلّ العلوم قدرا وأعظمها خطرا لتكفّله « 2 » من مكارم الأخلاق ، ومحاسن الشّيم ومن تقويم أود النفس ، الذي به تتفاضل الأقدار وتتفاوت القيم ، بما يضيق عنه نطاق التعبير ، ويعجز عن وصفه من عرف بالبلاغة وجودة التحبير . فكم شجّع من جبان « 3 » ، وكم قوّى من جنان ، وكم أنطق بالحكمة من لسان . وكم بسط من يد كانت مقبوضة عن الإحسان . وكم هذّب من نفس . وكم جلب من أنس . وكم كشف من لبس . وكم أغنى عن تخمين وحدس . وكم استعطف به من كريم . وكم استنزل به من لئيم . وكم أرهف من خاطر . وكم أفاد من حكمة ومثل سائر . وكم وقع من قلوب الأعادي ، موقع السّهام . كما أخبر بذلك نبيّنا عليه أفضل الصلاة والسلام « 4 » ، « عن ابن شهاب الزهري رحمه الله قال ، حدثني عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري ، عن أبيه رضي الله عنه قال ، قلت : يا رسول الله ، قد أنزل الله في الشعر ما قد علمت ، فما ترى فيه ؟ قال : إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه ويده ، والذي نفسي بيده لكأنّما تنضحونهم بالنّبل » . إلى غير ذلك من فضائله التي لا تحصى بعدّ ، وخصائصه التي لا تحصر برسم ولا حدّ . ( الطويل ) ولولا خلال سنّها الشّعر ما درى * بغاة العلا ، من أين تؤتى المكارم « 5 » كان « 6 » أولى بأن يصرف إلى تعلّمه وتعليمه عنان العناية . وأحرى بأن يقدّم

--> ( 1 ) من قوله تعالى « رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ » . سورة النمل 27 / 19 أوزعه الشيء : ألهمه وأولعه به . ( اللسان : وزع ) ( 2 ) ج : يتكلفه . ( 3 ) القول في اقتطاف الأزهار 6 . ( 4 ) الفتح الرباني 19 / 275 - 276 . ( 5 ) البيت من قصيدة لأبي تمام في مدح القاضي أحمد بن أبي دؤاد ، مطلعها : ألم يأن أن تروى الظّماء الحوائم * وأن ينظم الشّمل المشتّت ناظم وهي في ديوانه 3 / 176 - 183 ( 6 ) هذا جواب كلمة ( لمّا في قوله : « إن علم الأدب الذي هو . . لمّا كان من أجل العلوم . . . »